عجائز البدن، أطفال الروح

عجائز البدن، أطفال الروح

أهلا بك في اسبوع جديد، منعش، وبارد، فالحمدلله

كيف حالك؟ الحمدلله أن الله ربنا وثقتنا به تجعلنا نقول الحمدلله بثقة وراحة : )

حديثنا اليوم، لا أعرف كيف سأكتبه. لكن يجب أن أكتبه.

كبار السن، العجائز، مع مرض الزهايمر، مرض فقد الذاكرة.

_MG_2156_toppick_crop

لست خبيرة ولا مختصة ولا دكتورة، لكني حفيدة تعشق جدتها، عشقا لا تستطيع كلماتي وصفه، ولا قلبي الصغير تحمله. ويؤلمني أن أقول هذا الكلام عن جدتي، لكني أنوي أن أفيد الآخرين فأرجو أن يجبر الله كسر قلبي هذا.

غالبا، معظمنا لا نحب أن نخبر العالم أو الناس عن شخص مريض من أحبابنا، خاصة مرض الزهايمر. لأنه يصعب وصفه، وقد يجعل قلوبنا تتمزق ونحن نرى من نحب فقد جزء منه، فقد ذاكرته. ذاكرته التي يحمل بها ذكريات حبنا العميق، قربنا، دفئنا، لعبنا وضحكنا، بكائنا، مواقفنا المضحكة والمحرجة، طفولتنا، حكايا وحزايا ماضينا. يا عالم، إنه الحبّ العميق الآمن الذي يصعب وصفه، هو يخنق بعض الشيء، ويجعل دموعك تتسابق وترغب في الانهمار، لا تعرف كيف تصف هذا الخنق، لكن.. لكنك تعرف أمرا واحدا:

أنت تعرف أن الله سبحانه وتعالى، ملك الملوك، رب البشر جميعا، الرحيم، الذي يحمل 99 ضعف الرحمة التي نراها في العالم كله، كلها مجتمعة، هو يحمل 99 جزء أو ضعف لها، والكون كله يتقاسم جزءاً واحدا فقط، أن تعرف أن الله، حاشاه وتعالى عن هذا، الشر ليس إليه، الله لا يريد لنا شرا أبدا ويستحيل هذا، الله خلقنا وجعلنا في هذه الأرض لفترة ليختبرنا ومن ثم يكافئ كل منا حسب صبره وعمله وصدقه، فمن ضمن الاختبار محطات صعبة جدا جدا جدا في حياة كل منا، هذه المحطات هي الاختبارات أو الابتلاءات، ليرى الله هل نسخط؟ هل نغضب في قلوبنا على قدر الله؟ أم نرضى ونصبر؟ سلعة الله غالية ولا أستطيع ولا يستطيع بشر وصفها، فلن يمنحها الله لأي متسابق في هذه الدنيا.

الحمدلله أن الله ربنا، والله أن هذه بحد ذاتها نعمة تقطع أوصالنا حمدا له. الحمدلله أنا نعلم أن هذا المرض أو الاختبار أو الابتلاء هو قدر من الله، على الرغم من صعوبته، مرارته، شدة ألمه، إلا أنه من الله، الله ربنا حبيبنا، يعني أن به حكمة و”خير” لنا جميعا، علمنا أو لم نعلم، وفوق ذلك كله، يجزينا الله على رضانا وصبرنا وبرنا لمن أصيب بهذا المرض من أرحامنا أو والدينا، حفظكم الله جميعا وحفظ من تحبون. فالحمدلله.

لن أتحدث عن تفاصيل تجربتي مع جدتي حبيبتي حفظها الله، لكن سأحكي ما تعلمت بشكل عام، ليستفيد كل شخص يتعامل مع مريض الزهايمر، من أجل حياة أفضل.

أولا مرض الزهايمر فيه مستويات كثيرة، بعض الأشخاص تكون حالتهم بطيئة وبعضهم تتدهور الذاكرة بسرعة كبيرة ويبدأ المريض بفقد الكثير من المهارات قد تصل إلى عدم قدرته على الحركة، تذكر أن أي مستوى وصل له المريض فهو رحمة من الله له، تحلّى بالصبر واطلب وادع الله أن يفرغ عليك صبرا، وادع الله دائما باسمه اللطيف  أن يلطف بهم وباسمه الواسع أن يوسع صدورهم وصدرك أو صدر من يتعامل معهم.

مريض الزهايمر كائن رقيق جدا. جدا. كل وجلّ ما يحتاج له هو: العناية، الحنان، والحب. وبالانجليزية:

Tender Care & Love

(هذه كمعلومة سمعتها في محاضرة لا يحضرني من قدمتها وفقها الله عن هذا المرض)

العجائز أصلا، أو كبار السن هم أناس عاشوا سنوات عديدة في هذه الدنيا، وبذلوا وتعبوا وقد يكونوا ربّوا أبناء لهم أو أبناء غيرهم، وواجهوا في حياتهم ما واجهوا، فعندما يكبروا في السن، تصبح نفسيتهم وحاجتهم ومشاعرهم تبحث عن الاهتمام والحبّ والأهم “التقدير” ممن حولهم، أبنائهم غالبا. أي كلمة رقيقة، لمسة حانية، ضمة دافئة، مدح وثناء على ماضيهم مهما كان، تشجيع وتقدير على ما قدموه، وتكرااااار ذلك، ينعش قلوبهم، ويجعلها تتنفس، كأنك تغسلها بماء نقي بارد، تجعل أرواحهم تطير في السماء، في الهواء الطلق، مع السحب، قريبا من النجوم، تجعلهم يتنفسون ذاك النفس، تعرفه؟ الذي يقول لك أنت مغلف ومحاط بالحبّ، أنت تستحق الحبّ لأنك أنت.

فما بالنا بالمريض؟ ضاعف ما سبق. نعم بعضهم ينسى خلال ثواني ما قاله أو قد لا يعرفك، لكن، هناك شيء واحد لا يوجد أي مريض لا يعرفه، الحبّ والحنان والرعاية.

لو لم تستطع فعل أي شيء للمريض، فقط امنحه حبك. كلما رأيته بالغ في الترحيب به. إنه يشعر ويحس ويحب ذلك كثيرا. قل له “هلا” من كل قلبك، ابتسم وليكن وجهك بشوشا معه.

ضمّه، ضمّة قوية دافئة مثل التي تتمناها. أخبره أنك تحبه، وكرر ذلك، قل له أنا أحبك. هل تعلم كم أحبك؟ أحبك، وأحبك.

المسه بيدك، امسح على جبينه، على رأسه، امسك يديه.

تذكر، الحب والعناية والحنان واللمس والضمة والكلمة الطيبة، هو ما يجعل حياته أسعد وأفضل مما يمر به

المريض يشعر غالبا أن هناك أمر غير صحيح أو ناقص، أو غائب، ويشعر في لخبطة، وأنه يجب أن يذهب لمكان معين. فهو يشعر بالضياع غالبا، فترى الكثير من المرضى يخبروك أنهم يريدون الذهاب “لمنزلهم” حتى لو كانوا في منزلهم.

هذا الشعور مؤلم لهم، لأن غير المريض عندما يشعر بالضياع بفترة في حياته وهذا طبيعي، يتشوش ويتألم ويتعب، فكيف بمريض الزهايمر هذا ملازم له دائما؟

اقترحت الأخت التي قدمت المحاضرة أن تأخذ المريض وتدور به في نفس المنزل، ومن ثم تأخذه لغرفة تكون قد خصصتها وتسميها “المنزل”، فتأخذه لها وتقول هذا هو منزلك، أو بيتك.

ولو كان بالإمكان، أركبه معك في السيارة وتمشى به في أنحاء المنطقة كأنك تأخذه لمنزله، ليغير جو، وغالبا ما ينسى هذا الأمر وعندما يغير بيئته تتغير نفسيته قليلا.

بعضهم في خلال الانتهاء من ذلك يرجع يكرر نفس الطلب، الصبر مهم هنا، ولا ترفض طلبه أو تحاول أن تصحح له ما يطلب، فقط قل له إن شاء الله، وحاول أن تشغله قدرما تستطيع.

ستجده يبكي كثيرا، وبكائه يقطع قلبك، ضمه وقت بكائه واسمع منه ما يريد أن يقول، وإن لم يقل شيئا أشغله وأسعده وحاول أن تغير من شعوره، وقت البكاء يحتاج الانسان لمن يتقبل بكائه، فالضمّة هي أول خطوة.

إشغال المريض هام جدا، لأن الاكتئاب يكون واضح بشكل كبير. أشغل المريض بأي شيء حسب حالته. مثلا بعض الجدات يحبون الخياطة أو الخرز أو الطبخ، شيء مقارب لما كانوا يفعلونه سابقا، ينشغلون فيه، طبعا لن يقوموا بعمل شيء كما في السابق، لكن على الأقل الانشغال. لو كانوا ممن يحب التلفاز أو المسلسلات الشعبية القديمة، ابذل كل ما في وسعك لتعرف ماذا يحب؟ والتنويع ممتاز لأنه يشغلهم قدر المستطاع.

لأن المريض يهتم كثيرا بالحب ويسعده ذلك، حاول أن تهديه هدايا أو حتى لو كان طعامه مثله، أو ملابسه، عندما تقدمها اجعلها تبدو كأنها هدية له وأخبره ذلك، وأخبره أنها خاصة له فقط. مريض الزهايمر مثل الأطفال بالضبط، فالتميز يسعدهم.

لو قدموا لك أي شيء، أو أخبروك بأي شيء لا تفهمه، تفاعل معهم ودعهم يشعرون أن كلامهم صحيح. لا تصحح لهم لأنهم بشكل أو بآخر يشعرون ومن الخطر جدا جدا أن تجرح مشاعرهم وهم في هذه الحالة. مثلا لو قالوا أي شيء من ذكريات قديمة، كأن يخبروك عن شخص متوفي أنه موجود أو زارهم، قل نعم، لا تخالفهم.

أحيانا قد يقوموا بفعل أشياء لا يفعلها العاقل، مثلا مثل سكب الماء على الطعام، أو وضع الهاتف على الطعام أو أي حركة يفعلها الأطفال ونضحك عليها، لكن عندما يفعلها المريض لا تنهره أو تخبره أن هذا غير صحيح بشكل جاد جدا وبغضب، لأنه “يشعر” أنه أخطأ وأنه لا يعرف، وهذا يؤلمه. بهدوء صحح ما فعل وأبعد عنه ما قد يتسبب في تكرار ذلك. المهم حبك له وعطفك.

انتبه، انتبه جيدا أن تتحدث عن حالته أمامه. إنه يشعر. نحن ننسى هذا الأمر، ولا يوجد أي شخص يرغب أن يشعر بالعجز أو أنه يحتاج الآخرين دائما للعناية به. تحدث بالانجليزية لو احتاج الأمر أو أجل نقاشك عن مرضه في حضرته.

الكثير من الناس يستعينون بالممرضات للعناية بالمريض، هذا اختيار شخصي، لكن تذكر أن المريض يشعر ويحس فوق تصورك، فلا تتركه وتهمله وبرك له هو البركة التي تراها في كل شيء في حياتك، بركة في مالك وولدك ونفسك وروحك وبيتك وفي حياتك. ولا شيء في هذه الحياة أهم من الوالدين أو من الأجداد يستحق أن تترك هذه اللحظات الثمينة من العمر لمنحهم الحب وأخذه منهم، من أجله.

تذكر، لست أنت فقط من يمنحهم الحب، هم يمنحوك إياه، فتراهم أحن مما كانوا عليه قبل المرض. اسألهم (طبعا حسب الحالة والحالات تختلف) هل تحبني؟ أنا أحبك. ضمهم واطلب منهم أن يضموك. قم بإضحاكهم وإسعادهم، وهم مثل الأطفال يضحكون على حركات الكبار المبهجة (البهلوانية في بعض الحالات).

صفق معهم، التصفيق مبهج، وحركة الجسد تؤثر على النفسية والاكتئاب. وإن كان بالإمكان أن تجعلهم يمشوا معك، حتى لو في المنزل، حسب وضعك. اجعلهم يسمعوا القرآن الكريم وأذكار الصباح والمساء معك، سيريح نفوسهم ويطمأنها.

أكثر من الدعاء لهم وجدد نيتك دائما لتملأ صحائفك بالحسنات. بر، إدخال سرور، صلة رحم، عيادة مريض، عدد نواياك.

سبحان الله، تجد بعض أفعالهم غريبة، ترى كيف خلق الله سبحانه وتعالى العقل بدقة متناهية، وكأن هناك شيء قد حدث فقاموا بفعل ما لا يطرأ على بال عاقل. دائما سبح الله وأنت ترى عجيب صنعه واحمده على العافية ولا تقلها أمام المريض طبعا.

كل ما يحدث لنا هو خير من الله، فمن يثق ويحسن الظن بربه هو الذي يعيش بقلب مطمئن ومرتاح البال على الرغم من صعوبة القدر الذي يمر به.

بعض العوائل تختلف وتتفرق لأنهم لم يتفقوا على بعض الأمور المتعلقة بالمريض مثل بعض العمليات أو بعض الأدوية أو نحوه، انتبه أن تبني لك حسنات ببرك وتهدمها بخلافك مع أرحامك. لا شيء يهم سوى اللمة الأسرية فهي كل ما يحتاج كل إنسان على هذه الأرض.

لا أريد أن أكرر لكن للأمانة هذا هو الأساس، الحب الحنان العطف اللمس الضم والرعاية، وفي النهاية، تذكر عندما كنت طفلا وكان جدك أو أبيك يأخذك للسوبر ماركت وكنت تفرح بعلبة عصير أو حليب، أفرح المريض بكيس فيه ما قد يسعده، وحاول حاول قدر المستطاع أن تكون اختيارات موفقة / صحية.

أرسلت لي إحدى صديقاتي قبل فترة رابط فيديو عن أهمية وأثر زيت جوز الهند على المريض، لمن يرغب في المشاهدة. وطبعا ما لا يختلف عليه اثنان، نوعية ونظافة وصحة الأكل الذي يأكله أي إنسان تأثر على نفسيته وعلى صحته.

حفظ الله أحبابكم، وشافا كل مريض وعوضهم في الآخرة بمنازل عالية في الجنة يارب العالمين، وآجر كل من يعتني بهم وخفف عنهم ورفعهم في الدنيا والآخرة.

من يستطيع أن يقترح علينا أو يكتب لنا من تجربته ما قد يفيد القراء؟

lovegrands

8 تعليق على عجائز البدن، أطفال الروح

  1. متعب الحربي

    جزاك الله خير يا أستاذتنا ومعلماتنا مي على هذه الخبرة البسيطة و النصائح والله يشفي الجدة ويقومها بالسلامة وإن شاء الله كل الي صار للجدة يكون كفارة لها ويفغر لها ذنوبها وقوي الجميع على الحرص و الاعتناء بها إن شاء الله.

  2. مريض الزهايمر يرى من حوله غرباء

    يقول لنفسه كأني رأيتهم قبل ذلك

    لكنه لايتذكرهم

    اللهم ارأف بهم يالله

    اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين

  3. همام الحارثي

    (هذه كمعلومة سمعتها في محاضرة لا يحضرني من قدمتها وفقها الله عن هذا المرض)

    أقول لايكون هذه من أعراض المرض 🙂

    أتمنى لك التوفيق .. وأتمنى لكل مريض الصحة والعافية

  4. واااو موضوع جميل جداا ^^

  5. محمد العبدالمحسن

    الحب والحنان والجلوس والنوم بجانبهم يشعرهم بالطمانينة والارتياح النفسي وتذكيرهم بالماضي كما نفعل مع والدتي حفظها الله حين نقدم لها اي وجبة فاننا نذكرها برائحة طبخها وماضيها الجميل ومحافظتها علينا حتى كبرنا ودائما نخاطبها بجملة (( تذكرين يا ام الخير )) فنجدها تسعد بهذه الكلمة ونضم يدها ونقبلها فتفعل بنا مثل ما فعلنا بها من التقبيل وتدعو لنا صحيح انها قد تخاطبنا معتقدة انني بنتها اوالعكس حينما تخاطبها اختي معتقدة انها انا ولكن كل افعالها جميله ربي لا تحرمني منها اللهم احفظ عجائزنا فانهم خيمة نستظل تحتها في هذه الدنيا والجنة تحت اقدامهن . . .

    وشكرا ً

    • mai

      آميييين يارب العالمين وربي يبارك فيكم على حسن تعاملكم معها ويسعد قلوبكم جميعا ويرضى عنكم رضا لا سخط بعده يارب العالمين

  6. مقال ممتاز جزاك الله خيرا ونفع بك ورحم والديك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

*